عبد الملك الجويني

223

نهاية المطلب في دراية المذهب

ونحن نفصل ذلك ، فنقول : إن كانت من ذوات الشهور ، فمبلغ ما تضارب به أجرةُ ثلاثةِ أشهرٍ ، وإن كانت من ذوات الأقراء وعادتُها مختلفةٌ ، فإنها تضارب بأجرة أقل ما يتصور انقضاء العدة به . وإن كانت لها عادة مستقيمة ، فظاهر المذهب أن مضاربتها تقع باعتبار زمانِ عادتِها . وذهب بعض أصحابنا إلى أنها تضارب بالأقل أخذاً باليقين ، ولا تعويل على العادة ، وهذا ضعيفٌ ، وقد يَنظُر المبتدىء إليه فيهَشُّ إليه مستمسكاً باليقين ، وهذا باطل ؛ فإنا لسنا نسلم ما تضارب به إليها ، ولا نسلطها على التصرف فيه ، بل نتركه عتيداً موقوفاً ، وقد ذكرنا أن الوقف مُهيّأٌ لمَظِنةِ الإشكال ، فلا معنى للاقتصار على الأقل ، ولولا أنا لا نجد مَرَدّاً ، لو جاوزنا العادة ، لكان نظرنا في مجاوزتها ، من جهة أن الغرماء يتسلطون على ما يسلّم إليهم ، والقدر الذي نَقِفُه لا نضيِّع فيه حقّاً ، بل نرتقب ما يكون ، ولكن ليس وراء العادة مَردٌّ . ولو كانت معتدةً بالحمل ، فالمذهب أنها تضارب بمؤنة السكنى في تسعة أشهر ، فإن هذا هو الغالب الذي إليه الرجوع ، وذهب بعض أصحابنا إلى أن المضاربةَ تقع بمؤنة السكنى لمدة ستة أشهر . وهذا المسلك ضعيفٌ في الأقراء ، كما ذكرناه ، وهو على نهاية الضعف في الحمل ؛ فإن الستة الأشهر مدةُ وضع الحمل الحيّ المستقل ، ونحن نقضي بانقضاء العدة إذا أَجْهَضَت جنيناً بدأ التخطيط فيه ، فينبغي أن يكون الأقل المعتبر مناسباً [ لغرض ] ( 1 ) انقضاء العدة ، لا لبقاء الولد ، ولا ضبط للأقل الذي يحصل الانقضاء به . فإن قيل : بناء الفصل على أن الوقف لا يستدعي يقيناً ، فهلا وقفتم المؤنةَ ، أم هلا ضاربتم بالمؤنةِ لأربعِ سنين ؟ قلنا : هذا لم يصر إليه من الأصحاب صائر ؛ من جهة أنه على نهاية البعد ، وتنقرض العصور والمئون من السنين ولا يبقى حملٌ أربعَ سنين ، وهذا يناظر لو قيل به مجاوزةَ العادة مع النظر في سن اليأس ؛ أخذاً بإمكان التباعد .

--> ( 1 ) في الأصل : لفرض .